من نابلس بدأت الحكاية
في نابلس لا يحتاج أحد إلى تقرير علمي ليعرف أن المناخ يتغيّر. يكفي أن تسأل مزارعاً عن موسم الزيتون، أو أن تنتظر وصول المياه إلى خزّان البيت في صيفٍ أطول وأشدّ حرارة من الذي قبله.
درستُ الهندسة الكهربائية والطاقة المتجددة لأنني آمنت أن الطاقة النظيفة جزء من الحل. لكن السنوات التالية علّمتني أن أزمة المناخ في فلسطين ليست مسألة تقنية فقط. إنها مسألة سيطرة على الموارد، وعدالة، وحقّ في أن يكون لنا صوت حيث تُتخذ القرارات.
في هذا المقال أشارك ما تعلّمته في رحلة امتدت من نابلس إلى قاعات مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ في دبي وباكو وبون، وصولاً إلى COP31 في تركيا. هي ليست قصة نجاح فردي، بل قصة شباب عرب قرروا ألا يبقوا خارج القاعة.
مناخ تحت الاحتلال
الفلسطيني يواجه التغيّر المناخي وهو لا يملك أدوات التكيّف معه. هذه هي الجملة التي أكرّرها في كل مؤتمر أشارك فيه، والأرقام تشرح لماذا.
تتوقع المساهمة المحددة وطنياً التي قدّمتها دولة فلسطين في آب/أغسطس 2026 أن ترتفع الحرارة بين 1.5 و2.5 درجة مئوية بحلول عام 2050، وأن يتراجع المطر حتى 10% بحلول نهاية القرن في سيناريو متوسط. وفي سيناريو الانبعاثات المرتفعة قد يصل التراجع إلى 25%، والأشدّ تضرراً جنوب الضفة وقطاع غزة.
لكن الوثيقة نفسها تقول إن الاحتلال يمنع فلسطين من تخطيط أرضها كمنظومة واحدة. المنطقة المصنّفة (ج) تشكّل نحو 62% من مساحة الضفة، ونحو 88% من الكهرباء تأتي من الجانب الإسرائيلي. كيف تبني محطة طاقة شمسية أو بئراً أو خزاناً للمياه في أرض لا تملك ترخيص البناء فيها؟
والمياه أوضح مثال. بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ استهلاك الفرد الفلسطيني المنزلي 86.3 لتراً يومياً في 2021، أي أقل من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (100 لتر). في المقابل تبلغ حصة الفرد الإسرائيلي نحو 300 لتر، ونشتري 22% من مياهنا المتاحة من شركة ميكوروت الإسرائيلية. وفي غزة كان 97% من المياه المضخوخة من الخزان الجوفي الساحلي لا تطابق معايير الجودة، حتى قبل الحرب الأخيرة.
لهذا أؤمن أن العدالة المناخية في فلسطين تبدأ من السيادة على الموارد. لا يمكن أن نطالب شعباً بالتكيّف وهو لا يملك ماءه ولا أرضه ولا كهرباءه.
من دبي إلى أنطاليا: ما تصنعه مجموعة واتساب
في COP28 بدبي عام 2023 لاحظتُ أن الشباب العرب كثيرون في المؤتمر، لكنهم متفرّقون. كل واحد منا يتابع المفاوضات وحده، ويبحث عن الفعاليات وحده، ويعود إلى بلده دون أن يعرف من كان معه.
أنشأتُ مجموعة واتساب بسيطة للتنسيق بين المندوبين الشباب العرب. لم أتوقع أن تستمر. لكنها أصبحت شبكة تنسّق حضور الشباب العرب في كل مؤتمر مناخ أممي منذ ذلك الحين: في COP29 بباكو، وفي اجتماعات الهيئات الفرعية في بون، واليوم في التحضير لـCOP31 في تركيا. تعلّمت منها أن التنظيم لا يحتاج دائماً إلى ميزانية، بل إلى شخص يبدأ وآخرين يثقون.

في المؤتمر نفسه اختيرتُ ضمن مجموعة من القادة الشباب للمناخ، وكنت واحداً من ستة ألقوا كلمات أمام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. كان عليّ أن أخبره بما لا يعرفه. هو يعرف ما يحدث في فلسطين، لكنه لا يعرف كيف يعيش شبابها، وكيف نتمسّك بالأمل، وكيف نقطع عشرات الحواجز لنصل إلى قاعة كتلك ونتحدّث، ثم نعود لنحمي بيئتنا في فلسطين.
لم تكن اللحظة مهمة لأنها شخصية، بل لأن صوتاً فلسطينياً شاباً وصل إلى مكان نادراً ما يصل إليه.

وما تعلّمته في بون، حيث شاركت في SB62 وSB64، هو أن المؤتمرات الكبرى لا تُحسم في الخطابات. تُحسم في غرف التفاوض الصغيرة، وفي الصياغات الدقيقة للنصوص. ومن يريد أن يؤثّر عليه أن يكون هناك طوال العام، لا في أسبوعي الـCOP فقط.
من المبادرة إلى المؤسسة
الحضور في المؤتمرات الدولية لا يكفي إن لم ينعكس في البلد. لذلك انتقلنا من المشاركة إلى البناء.
نظّمنا مؤتمر الشباب المحلي للمناخ (LCOY) في فلسطين، ثم مؤتمر الشباب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (RCOY MENA) عام 2024. هذه المؤتمرات جزء من مسار رسمي تتبنّاه دائرة الأطفال والشباب في اتفاقية المناخ (YOUNGO)، ومخرجاتها تُجمع في بيان عالمي للشباب يُقدّم إلى المفاوضين. أي أن ما يقوله شاب في نابلس يمكن أن يصل فعلاً إلى قاعة المفاوضات. واليوم أعمل نقطة اتصال (Focal Point) لمؤتمر RCOY MENA 2026، ليستمر هذا المسار ويتسع لشباب المنطقة كلها.

وفي مطلع 2026 سجّلنا رسمياً مؤسسة «الشباب الفلسطيني من أجل المناخ» (PY4C) في فلسطين. الفكرة بسيطة: المبادرات الشبابية تنتهي حين يتعب أصحابها، أمّا المؤسسة فتبقى وتتسلّمها أجيال جديدة.
وما ينطبق على فلسطين ينطبق على المنطقة. شاركتُ في تأسيس شبكة AYGVN للشباب العربي في العمل المناخي، ومنصة «كلمات» التي تنشر هذا المقال، ومنصة «فرص خضراء» التي تنشر الفرص الخضراء باللغة العربية. وأعمل اليوم منسّقاً للتواصل في المجلس العربي للشباب للتغيّر المناخي التابع لمركز الشباب العربي. القاسم المشترك بينها جميعاً هو اللغة: معظم المعرفة والفرص المناخية تُنشر بالإنجليزية، ومن لا يتقنها يبقى خارج الحوار.
الوطن العربي: الأكثر تضرراً والأقل تمويلاً
فلسطين ليست استثناءً في منطقتها. بحسب تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عن حالة المناخ في المنطقة العربية 2024، ترتفع الحرارة في المنطقة بضعف المعدل العالمي. وكان عام 2024 الأشدّ حرارة في تاريخها، وتضمّ المنطقة 15 من أشدّ دول العالم شحّاً في المياه. وفي ذلك العام وحده تأثّر نحو 3.8 ملايين شخص بالظواهر المتطرفة، وتوفي أكثر من 300، معظمهم بسبب موجات الحر والفيضانات.
ومع ذلك يبقى التمويل بعيداً عن الحاجة. تقدّر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أن الدول العربية تحتاج أكثر من 570 مليار دولار للعمل المناخي حتى 2030. في المقابل تلقّت المنطقة 34.5 مليار دولار فقط من التمويل العام الدولي خلال عقد، منها 30 ملياراً قروضاً و4 مليارات فقط منحاً. أي أن دولاً عربية كثيرة تستدين لتتكيّف مع أزمة لم تكن السبب الرئيسي فيها.
أمّا الشباب فهم الفئة التي ستعيش كل هذه التوقعات. لكن حضورهم في مساحات القرار ما زال محدوداً بثلاثة حواجز رأيتها مراراً: التأشيرات والشارات المحدودة، وكلفة السفر والإقامة، واللغة. وحين يغيب الشاب العربي عن القاعة، يتحدّث غيره عنه.
ثلاثة دروس ودعوة
بعد سنوات من هذا العمل، هذا ما أحمله معي إلى أنطاليا، حيث يُعقد COP31 بين 9 و20 تشرين الثاني/نوفمبر 2026:
- الشبكة أقوى من الفرد. لا أحد منا يستطيع متابعة كل مسارات التفاوض وحده. حين نتقاسم الملفات والمعلومات، يصبح للشباب العرب حضور يُحسب حسابه.
- المحلي هو الأساس. الخطاب في مؤتمر دولي ينتهي بانتهاء الجلسة. أمّا مؤتمر شبابي محلي أو مؤسسة مسجّلة فيبقى أثرها سنوات.
- العدالة قبل التكنولوجيا. الطاقة الشمسية وتحلية المياه حلول مهمة، لكنها لا تعمل في أرض لا يملك أهلها القرار فيها. الحديث عن المناخ في فلسطين بلا حديث عن الاحتلال حديث ناقص.
أمّا دعوتي فهي لكل شاب وشابة في الوطن العربي: لا تنتظر دعوة رسمية. ابدأ بما لديك، مجموعة نقاش، أو مقال تكتبه، أو مبادرة في حيّك. اكتب بالعربية عن مناخ بلدك، لأن أحداً لن يروي قصتنا كما نرويها نحن.
بدأتُ من نابلس بمجموعة واتساب وفكرة. اليوم نحن شبكة من المحيط إلى الخليج. والمكان ما زال يتسع لك.
المصادر
- دولة فلسطين، المساهمة المحددة وطنياً NDC 3.0، آب/أغسطس 2026: توقعات الحرارة والمطر، نسبة المنطقة (ج)، نسبة الكهرباء المستوردة.
- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه، بيان صحفي بمناسبة يوم المياه العالمي 2023 (بيانات 2021): استهلاك الفرد، المياه المشتراة من ميكوروت، جودة مياه غزة، المقارنة مع الفرد الإسرائيلي.
- المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تقرير حالة المناخ في المنطقة العربية 2024، بالتعاون مع الإسكوا وجامعة الدول العربية، كانون الأول/ديسمبر 2025.
- الإسكوا، الدول العربية تحتاج أكثر من 570 مليار دولار لتمويل العمل المناخي، تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
- مركز الأمم المتحدة الإقليمي للإعلام، الطريق إلى أنطاليا: موعد COP31 ومكانه.
باقي المعلومات في المقال من تجربة الكاتب الشخصية.
لديك ما تقوله عن المناخ؟
اكتب مقالك وأرسله للمراجعة. كل مقال يُنشر باسمك يضيف 100 نقطة إلى رصيدك في ترتيب الكتّاب.
انضم ككاتب





